February 18, 2020

FATIMA EL-HAJJ

Storm and You are Free: Antarah in Black on White

Curated by Abed AlKadiri

1/5



عنترة: الثورة والحرية





هي قصة كفاح ونصر.. ثورة وحرية. قصة بدأت قبل أكثر من ألف وخمسمائة عام، وتأجّجت منذ ما يقارب الشهور الأربعة. فَفي الوقت الذي يقف فيه شباب لبنان وشابّاته للمطالبة بحقوقهم لافظين من قلوبهم الفتيّة رواسب الحرب الأهلية، الطبقية والسلطة الأبوية، تعود فاطمة الحاج بتاريخ منطقتنا إلى العصر الجاهلي، فيما نبدو نحن اليوم أكثر جاهلية، تعود لتبحث عن صوت حرّ، وقياديّ عادل يؤمن بالثورة ويجسّد معانيها في تفانيه كحبيب وشاعر.



الحاج التي رسمت المرأة كليمةً للّيل، أمًا وزوجة ترسم أخيراً الرجل. تحتفي برجولته لا بذكورته بنضاله وشاعريته ترسم عنتره الذي باسمه تكنّى المراجل والقبضايات، تحتفل بسيرته الحافلة بالنضال، ليكون أول من حارب لنبذ التمييز العنصري في تاريخنا العربي لينتصر أخيراً على قبلية مجتمعه وحكم والده/ سيده عليه.



على مدى أكثر من أربعينً عامًا قضتها فاطمة الحاج بأناةٍ في صحبة الرسم والتلوين، قلّما ابتعدت في مواضيع أعمالها عن حدود المحيط الفردوسي الذي صنعَته وعكفت على تصويره في لوحاتها. من المنزل الوادع، إلى الحديقة الزاخرة بالأتربة والزهور والثمار والحيوانات الأليفة وأشجار اللّيمون والأفوكادو والجوافة. وَعندما تود الجنوح أبعد، تختار الموسيقى كثيمة أساسية لها لون الفصول الأربعة.



حَول هذه الموجودات دارت مسيرة فاطمة الفنية وحياتها على حدِّ سواء. لقد كانت تذهب بِروحٍ ملوّنة ويدَين صغيرتَين لِلُقيا المرض، الفقد، الأمومة، الزواج وَالموت، تلمسُها كلّها بدقّة ومخيّلة كثيفة، تختصرها غالباً في موجودات االطبيعة .



اليوم تقدم الحاج مشروعاً مغايراً تستند من خلاله على رواياتٍ عمرها أكثر من ألفي عام لتعود وتبشّر بالمعاني والافكار التي ما زالت حتى اليوم رهينة عقول مجتمعاتنا، ففي الوقت الذي ما يزال العالم العربي يحارب السلطة الأبوية والقبلية ومنطق الزعامات والتعصب الديني والحزبي، تحتفل ببطل لا دين له غير الحب والشعر والحرية.



قبل ثلاثة أعوام زرتُها في محترفها، كانت فاطمة قد تقاعدت عن مهنة التدريس الجامعي وتفرّغت تمامًا لفنّها، لمحتُ وقتَها أعمالًا تختلف في تراكيبها عن النسق المعهود الذي طرحت به نفسها، رأيتُ مجموعة اسكتشات تحضيرية لرجل يمتطي حصانٍ يعلو برأسه نحوَ الأفق، سألتُها عن هذه الرسوم فأجابت: "إنّه عنتره على حصانه الأبجر". وبشكل عفوي أجبتها هذا مشروعنا المشترك أريد أن أكون القيّم على هذا المعرض. كانت الرسوم برشاقتها وبالحبر الأسود تذكّر بالرسوم الصينية القديمة الفرشاة مشبعة بالحب، تلامس سطح الورق مرة واحدة لتخلق مشهداً يختزل تجربة سنين من الممارسة الفنية.



منذ عامين وفاطمة تتبحّر في شعر عنتره، تقرؤه، تتمعن في بلاغته وتهيم في ذاكرة العمر تغوص في تاريخها، تستعير من حياته وتعطيه من حياتها، تتشابك الروايات تصبح عبلة أختها إسعاف التي أحبت وتزوجت من صديقها الأفريقي وهي القادمة من مجتمع محافظ، تتذكر إبتسامة إسعاف، ربما الإبتسامة الأخيرة قبل أن يلفّها الموت. يصبح عنتره الحبيب المتخيَّل والزوج والمحارب، الرجل المثالي في مجتمع تتداعى فيه صور الزعامات. وحريته هي حريتها بعد أن أطلقت ولدَيها كلًّا إلى تجربته في الحياة وهما الحاضران غالباً في جزء كبير من أعمالها.



من دراسات صغيرة إلى رسومات أكبر وأخيراً تفيض شجرة الزيتون محصولاً كاملاً غنياً. لوحة بقياس عشرة أمتار، اشتغلت عليها عاماً كاملاً صوّرت أثناءه بأصابعها مسلسلًا من البطولات، حرباً على العنصرية، على التخاذل والتآمر انتصاراً للحب والشعر.



أزورها بشكل دوري نتحدث، تتحول فاطمة الفنانة إلى روائية تسرد قصص وأخبار عنتره. الكثير منها أعرفه ودرسته في الجامعة ولكنها ترويه بشكل أجمل مما قرأته ودرسته.



في محترفها الذي لفّت حدوده اللوحة تاه جسد الفنانة الصغير، كان حواراً: ترسمين قصة فلتكن كتابا ً! وهكذا تحولت اللوحة إلى كتاب عملاق بالأسود والأبيض، لا مكان للألوان في سيرة هذا البطل فالحقيقة لا ألوان فيها. ربما هي التجربة الأولى أيضاً التي لا يعرف فيها اللون طريقه إلى سطح لوحتها. الجدارية تنتصب على الارض كجدار هائل، كَبيان لرفض العنصرية والطبقية من جديد والاحتفال بهذا البطل.



المعرض يستحضر ذاكرة رمز في تاريخنا الإنساني والأدبي سبقها بعض الفنانين إليه أبرزهم أبو صبحي التيناوي ورفيق شرف وفي تجربتَيهما كان اسم عنتره من أهم ما ميزها. شرف ذهب بعنتره أبعد من التزيين والمَلَكة الفطرية في التعبير، أراد أن يكون عنتره مثالاً بطولياً للإنسان العربي بعد هزيمة يوليو في العام 1967، مستفيداً من التراث التشكيلي العربي لربطه بمفاهيم الحداثة الفنية العربية. هنا تفترق الطرق بين الحاج وشريف فهي تأتي بعد خمسين عاماً لا ليكون عملها امتداداً للموروث البصري الشعبي، لا أثر لأي علاقة بالمخطوطات أو المنمنمات العربية ولا يرتبط عنترها بالضرورة بالإنسان العربي، ترسمه كما ترسم شخوصها عادة لكنها وبإصرار كبير تبتعد عن اللون تستهدف التعبير النفسي والشعوري لهذا البطل بكل إنسانيته وكونيته، تترجم سيرته كلها بلون واحد، الأسود.



يتفتح اللون الأسود على بياض القماش بشفافية كأنها أعمال مائية ويزداد حلكةً كلما زاد الظلم على عنتره. تلتف خلف اللوحة تواجهك عبارة كبيرة تتوسط العمل "كرّ فأنت حرّ" هي الجملة التي قالها أخيراً والده واعتقت عنتره من أسر العبودية وجعلته حراً محارباً حيث لم يقبل امتطاء صهوة جواده قبل أن ينال هذه الحرية التي ترتبط ارتباطاً اساسياً بالحرية. وكان بذلك أول من ينادي ويسعى للتحرر في تاريخنا العربي. إذًا هي تحتفي بالحرية لا بالبطولة والفروسية تحتفي بالحب لا بالقتال.



مشروع عنتره لم ينته عند هذا العمل، ففي العام الماضي وفي باريس كانت الحاج ما تزال مأخوذة بسيرة عنتره. نسير في شارع باريسي جميل يصادفنا متجر لبيع الورق المصنوع يدوياً. كتاب بـ 180 صفحة بيضاء، يدوية الصنع، تلمع عيناها نشتري الكتاب وينقضي عامها كله في رسم صفحاته أيضاً بالاسود والابيض. رسوم رشيقة عفوية تحتفي كلها بعنتره الفارس، العاشق وَالمناضل ضدّ الظلم، بمنكَبيهِ العريضَين وسحنته الداكنة وشعره الأشعث وبنيانه الشديد، ماتَ وَهو يدفع ثمن اختلافه. الكتاب يجمع برسوماته الكثيرة أشعاراً إختارتها الفنانة بعناية شديدة ترصد روح عنترة، تؤكد التناقضات عبر العمل على تدرجات الأسود تتحول الصفحات إلى نصوص بصرية تختزل سيرة رجل تجرّع مرّ العبودية والتفرقة، حتى في الحب لم يهنأ، بل كان لونُه ونسبُهُ المشوب آنذاك سببًا في عذابه، لقد هام بابنة عمه عبلة وحرّرهُ حبّه من قيودٍ فرضتها عليهِ قبيلةٌ قاسية، ورغم ذلك كان عنتره فارسَ هذه القبيلة ونبيلَها الذي ذاد عنها بدمه حتى مات بسهام مسمومة كما تقول بعض الروايات.





لقد نادت فاطمة الحاج دومًا بسموّ الفنّ في مهنتها وموهبتها، ذاك السمو الذي لم يكن ليتحقق إلا عبر التبحر والتأمل في الطبيعة وعناصرها، كذلك على الصعيد الفردي، فإنها لم تكن لتعيش خارج هذا العالم الساحر الذي رسمته في مخيلتها وواقعها على حدٍّ سواء، وَبصدق غير مسبوق لا يحققه سوى فنّان أصيل يدرك جيدًا معنى أن ينذر ساعاتٍ بأكملها ليلتقط بعينيه إيماءة الغصن أو سيلان اللّيل على كتفَي امرأة وحيدة، وربّما انحناءة ديكٍ عند الصباح نحو سهلٍ فسيحٍ يرتدي ألوانه كلّها في لوحة واحدة.



كلّ هذه التفاصيل وأكثر، تتطلّب قدرًا هائلًا من التوحّد مع الذات ليدرك الفنان ما يعنيه الإمساك ببتلات زهرةٍ وبأوراق الشجر الفتيّة عند الربيع والشاحبة في الخريف، والربط بينها وبين خساراتٍ كثيرة يوضع أمامها الإنسان واحدةً تلو الأُخرى. هنا عنتره الذي ذاق طعم الخسارة وحارب للحب والحرية يدخل محترف الفنانة ينسيها الطبيعة للمرة الأولى يحملها معه على حصانه الأبجر فلا ترى شيئاً سواه.



عبد القادري

بيروت- 8 يناير 2020

Born in 1953, Fatima El-Hajj first graduated in 1978 from the Institut des Beaux-Arts at the Lebanese University in Beirut, and later from the Academy of Fine Arts in Leningrad. She then completed her studies from the Ecole Nationale Supérieure des Arts Décoratifs of Paris in 1983. She was awarded with the Picasso Prize in Madrid in 1985 and has been teaching in Beirut at the Institut des Beaux-Arts ever since 2016. She has been regularly exhibiting her works since 1986 in Lebanon as well as in other Arab countries where she is well-known, such as Kuwait, UAE, Syria, Bahrain, Morocco and Qatar, but also in Europe, such as in Spain and France.

©2020 by Contemporary Art Platform.